نسيج الروح وضوء الريشة ...رحلة رويا راستكارثاني في إعادة رسم التراث بروح معاصرة
د. رويا راستكارثاني
عميدة كلية الفنون في كلية بروسبيريتي الكندية (PCC)، وفنانة تشكيلية معاصرة ومُعلِّمة للفنون.
نسيج الروح وضوء الريشة ...رحلة رويا راستكارثاني في إعادة رسم التراث بروح معاصرة
من قلب مرسمها الممتلئ بالضوء والسكينة بمدينة فانكوفر الكندية، تعيد الفنانة والأكاديمية الإيرانية الدكتورة رويا راستكارثاني صياغة مفهوم الفن التشكيلـي بحكاية استثنائية للإبداع الإنساني. إنها لا تكتفي بوضع ألوان الزيت على القماش، بل تغزل بفرشاتها نسيجا جامعا بين أصالة التراث الفارسي والتعبير البصري المعاصر؛ لتتحول كل لوحة تحت يديها إلى جسر زمني وثقافي يعبر المحيطات، ويربط بين الهوية، والذاكرة، والتطلع نحو المستقبل.
إن قصة الدكتورة رويا راستكارثاني ليست مجرد حكاية فنانة نجحت في عرض لوحاتها في المعارض العالمية، بل هي ملحمة إنسانية وفكرية نادرة تجمع بين صرامة الفكر التحليلي والإداري، ورقة الحص الشفاف، وأصالة الموروث الثقافي الإيراني.
نشأت رويا في بيئة إيرانية غنية بالجمال البصري والتاريخي. منذ طفولتها المبكرة، كانت عيناها تتأملان بتفحص ملحوظ التفاصيل الدقيقة التي تحيط بها: السجاد اليدوي الفارسي المزين بالحكايات، والفسيفساء البراقة التي تزين أسقف المساجد والقصور الكلاسيكية، والألوان الترابية واللازوردية التي تحكي قصص القرون الماضية. لم يكن الفن بالنسبة لرويا مجرد مادة تشكيلية أو نشاط ترفيهي، بل كان لغة سرية تفهم بها العالم وتستكشف من خلالها مفهوم الهوية والذاكرة والوجود.
هذا الشغف المشتعل بالرسم والألوان لم يعزلها عن شغف آخر كبير بالتحليل والطقس والتفكير الاستراتيجي. امتلكت رويا توازناً استثنائياً بين الإلهام الإبداعي والفكر التحليلي المنظم، مما قادها إلى اتباع مسار أكاديمي فريد؛ حيث بدأت رحلتها بالحصول على درجة البكالوريوس في علوم الحاسوب. ولم يتوقف طموحها العلمي عند هذا الحد؛ بل واصلت رحلتها الشغوفة للإبحار في عالم القيادة والإدارة، وحصلت على درجة الماجستير في إدارة الأعمال، وتوجت هذه الرحلة المظفرة بالحصول على درجة الدكتوراه في إدارة الأعمال في الإدارة التنفيذية.
هذا المزيج الاستثنائي بين الهندسة الرقمية والإدارة الاستراتيجية لم يبعدها عن الفن، بل أمدها بمنهجية فكرية متماسكة ورؤية عميقة مكنتها لاحقا من إدارة مسيرتها الإبداعية والأكاديمية بأسلوب احترافي وعالمي.
بالتوازي مع دراستها الأكاديمية الصارمة، كانت رويا تقضي ساعات طويلة متواصلة في استوديوهات كبار الفنانين التشكيليين في إيران. هناك، تعلمت قواعد الفن من منابعه الأصيلة؛ فتدربت على أيدي فنانين متميزين أتقنوا أسرار المدرسة الواقعية والتفاصيل الإعجازية للمدرسة الفائقة الواقعية .
تعمقت رويا في فن المينياتور (المنمنمات الفارسية التاريخية)، وتعلمت كيف تتحكم في أدق الشعيرات على فرشاة الرسم، وكيف تخلط الألوان الزيتية لتعطي انطباعا بالملمس والعمق والضوء. أتقنت تقنيات الرسم الكلاسيكي التي تتطلب صبرا ودقة متناهية، وهو ما منح لوحاتها الزيتية طابعا ملموسا وشديد الخصوصية؛ حيث يشعر المشاهد للوهلة الأولى وكأنه يستطيع لمس نسيج السجاد أو نتوءات الأحجار الجدارية في اللوحة.
ومع تبلور أسلوبها الخاص، أصبحت المرأة هي المحور الأساسي في أعمال رويا. لم تقدم المرأة كرمز سطحي للجمال، بل كعنصر حيوية يفيض بالصمود، والذاكرة، والأمل. في لوحاتها، تتداخل ملامح النساء المعاصرات مع رموز التراث الفارسي ليطرحن تساؤلات عميقة: كيف نحافظ على هويتنا في عالم ينزع نحو العولمة؟ وكيف تتطور المرأة لتكون جسرا يصل بين نبل الماضي وطموح المستقبل؟
بالنسبة لرويا، لم تكن اللوحة يوما مجرد قماش ممتلئ بالألوان يوضع في إطار مذهب ليزين جدران المعارض والغاليريات. بل كانت تؤمن دائما بأن للفنون البصرية طاقة شفائية وإنسانية هائلة قادرة على النفاذ إلى أعمق أعماق الروح البشرية.
هذا الإيمان الراسخ دفعها إلى تكريس جزء هام من وقتها وأبحاثها العلمية في مجال "العلاج بالفن" (Art Therapy). وجهت رويا جهودها الأكاديمية والبحثية لدراسة التأثير الإيجابي للفنون البصرية في دعم الأطفال الذين يعانون من اضطراب طيف التوحد (ASD) واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD).
استطاعت من خلال أبحاثها الميدانية تحويل خطوط الرسم والألوان إلى أداة تواصل غير لفظية لغوية، فتحت نلك النوافذ المغلقة أمام هؤلاء الأطفال للتعبير عن مشاعرهم، وتفريغ طاقاتهم، وبناء جسور الثقة مع العالم الخارجي. أثبتت رويا أن الريشة قد تكون أحيانا أبلغ من الكلمات، وأن اللون قادر على تضميد الجراح النفسية وصنع فرق حقيقي في حياة الأطفال وعائلاتهم.
تكللت رحلة رويا الحافلة بالعطاء بالانتقال إلى كندا، حيث واصلت إلهام الآخرين ونقل خبراتها العريضة إلى الأجيال الجديدة. تشغل رُويا حاليا منصب عميد كلية الفنون في كلية بروسبريتي بكندا (Prosperity College of Canada) في مدينة فانكوفر.
من هذا الموقع القيادي المرموق، لا تكتفي رويا بإدارة القسم فحسب، بل تعمل كمرشدة وأستاذة تسعى لتطوير المناهج التعليمية المبتكرة التي تجمع بين دقة التقنيات الكلاسيكية والحرية الإبداعية المعاصرة، معززةً دور الفن كأداة للتفكير النقدي والتعبير الحضاري.
ولم تخل هذه الرحلة الملهمة من التقدير والاعتراف العالمي الاستثنائي؛ فقد تم اختيارها ضمن قائمة أفضل 13 امرأة في إيران نظير مساهماتها الإبداعية والفكرية المؤثرة. كما حظيت بشرف تقديم كلمة كأول متحدثة رئيسية في مؤتمر TEDx Omid الدولي في إيران، حيث شاركت رؤيتها حول تقاطع الفن والهوية والإرادة الإنسانية أمام آلاف المتابعين.
وتقديرا لتميزها الفني الفريد ولغتها البصرية المبهرة التي تجاوزت الحدود الثقافية، حصلت رويا على الإقامة الذهبية من دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو التكريم الذي يمنح للمبدعين والمبتكرين أصحاب الأثر المستدام في الثقافة والفنون.
اليوم، تتألق أعمال رويا راستكارثاني في المعارض الدولية وتقتنى ضمن مجموعات فنية خاصة حول العالم. تعيش رويا وتعمل في فانكوفر، لكن قلبها يظل نابضا بالثقافة الفارسية العريقة التي تنقلها إلى العالم برؤية حديثة وشغف لا ينطفئ.
إن قصتها ليست مجرد حكاية نجاح شخصي، بل هي درس ملهم لكل مبدع يبحث عن نسج أسلوبه الخاص في الحياة. إنها تذكرنا دائما بأن التراث ليس مجرد صفحات مطوية في كتب التاريخ، بل هو روح متجددة تنبض بالحياة كلما لامستها يد فنان تحب الجمال، وتسعى لنشر الأمل والإنسانية في كل بقعة من هذا العالم.
اترك تعليقًا
نرحب بأفكاركم وملاحظاتكم حول هذا المنشور. نرجو منكم الالتزام بالاحترام، وأن تكون تعليقاتكم ضمن الموضوع، وخالية من الرسائل المزعجة أو الروابط الترويجية. لن يتم نشر بريدكم الإلكتروني، وستتم مراجعة جميع التعليقات لضمان حوار بنّاء.
الحقول المطلوبة مُعلَّمة *.

English






