بين مدرجات الجامعات و قمة الهرم القضائي ... المستشار الدكتور علي فرجاني ... قامة محراب الحق ومربي أجيال العدالة
المستشار د. علي فرجاني
نائب رئيس محكمة النقض، وقاضٍ، وأستاذ قانون
بين مدرجات الجامعات و قمة الهرم القضائي ... المستشار الدكتور علي فرجاني ... قامة محراب الحق ومربي أجيال العدالة
في تاريخ الفكر القانوني ، تسطع أسماء قامات ساطعة استطاعت أن تصنع فارقاً حقيقياً في وجدان المجتمع القانوني، ورسخت معالم الطريق لكل من يسعى للجمع بين التميز الأكاديمي والرفعة القضائية. إننا أمام قصة رمز شامخ من رموز القضاء والفكر الجنائي المستشار الدكتور علي أحمد فرجاني، الذي سطر مسيرة حافلة بالإصرار والعطاء، وخاض رحلة ملهمة امتدت عقوداً من العمل الدؤوب، حتى صار مرجعاً يستنار برأيه، وأستاذًا تتتلمذ على يديه أجيال متعاقبة من رجال القضاء والباحثين.
بدأت القصة منذ التحاقه بكلية الحقوق بجامعة المنصورة، حيث خطا أولى خطواته في عالم العلوم القانونية، متسلحاً بعزيمة لا تلين ورغبة صادقة في فهم التشريعات وتطبيقها. ولم تكن مرحلة الليسانس سوى البوابة الأولى التي عبر منها إلى البحث العلمي، إذ واصل مسيرته الأكاديمية بنيل درجة الماجستير في القانون العام من كلية الحقوق بجامعة الزقازيق. ثم توّج هذا المسار الأكاديمي بنيله درجة الدكتوراه في القانون الجنائي من كلية الحقوق بجامعة المنصورة بتقدير "ممتاز"، عن أطروحته القيمة: "الجريمة الانتخابية – دراسة مقارنة بين النظام اللاتيني والشريعة الإسلامية".
ولم يقف عطاؤه عند حدود البحث الأكاديمي التقليدي؛ بل امتد أثره العلمي وفكره القضائي ليعبر الحدود الوطنية والإقليمية. وتتويجاً لهذه المسيرة الاستثنائية، منح الدكتوراه الفخرية في القانون الجنائي والجرائم الإلكترونية من جامعة سمارت الدولية (Smart International University) بالمملكة المتحدة بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الاولي؛ وذلك كتقدير رفيع المستوي لما بذله من جهود علمية وتحكيم رسائل علمية ولما قام به من اجل تطوير البحث العلمي والقضائي ونشر روح التسامح وثقافة السلام وتطوير مفاهيم العدالة الناجزة واعلاء شأن القيم الانسانية والثقافية والأخلاقية مهنيا وعلميا علي المستوي الوطني والاقليمي والدولي.
توجت هذه الخلفية العلمية الصلبة بمسيرة قضائية شامخة تمتد لأكثر من أربعين عاماً من العمل في أروقة النيابة العامة والقضاء والاستشارات القانونية. بدأ خطواته الأولى وكيلًا للنيابة بالنيابة العامة المصرية لمدة ثلاث عشرة سنة؛ حيث باشر التحقيقات الميدانية والتفصيلية في أعتى القضايا الجنائية، وأشرف على إعداد ملفات الاتهام ومباشرتها أمام المحاكم، مفصحاً عن حس قضائي رفيع ونزاهة مطلقة.
ونظراً لكفاءته الدقيقة، تم اختياره ليصبح عضواً بالتفتيش القضائي بالنيابة العامة لأكثر من عامين؛ حيث تولى التفتيش على أعضاء النيابة، وتقييم الأداء الفني، ومتابعة تطبيق الإجراءات القانونية، وإعداد التقارير التي تضمن رفع الكفاءة المهنية وتطوير أدوات التحقيق.
وعند انتقاله إلى منصة القضاء، عمل قاضياً بمحكمة بنها الابتدائية للفصل في القضايا الجنائية والمدنية، ثم ترقى ليتولى رئاسة دائرة الجنح المستأنفة بالمحكمة؛ لمراجعة الأحكام الصادرة من محاكم أول درجة وضمان سلامة الإجراءات وتطبيق صحيح القانون. ثم ارتقى إلى منصب مستشار بمحكمة استئناف القاهرة لنظر الطعون ودراسة المنازعات المدنية المعقدة.
وتتويجاً لهذا التاريخ القضائي الناصع، اعتلى أعلى درجات القضاء برئاسته وإسهاماته في محكمة النقض المصرية لأكثر من سبعة عشر عاماً. وعُيّن نائباً لرئيس محكمة النقض ورئيساً لإحدى الدوائر الجنائية بها. وفي هذا الموقع الرفيع، يتولى نظر الطعون الجنائية الشائكة، وتحليل النصوص القانونية، وإرساء المبادئ القضائية المستقرة التي ترسم حدود العدالة وتكفل سيادة القانون في كافة أرجاء الوطن.
ترأس دائرة من اهم الدوائر الجنائية بمحكمة النقض التي نظرت أهم القضايا الجنائية وقضايا الإرهاب فضلا عن رئاسته دائرة نظر طعون تأديب السادة المحامين وعضويته للجنة العليا للأحزاب السياسية بمحكمة النقض المصرية.
وفي محطة تاريخية تعكس مدى المكانة التي حظي بها داخل المنظومة القضائية المصرية، جاء ترشيحه ضمن أقدم سبعة قضاة من نواب رئيس محكمة النقض لمنصب رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس القضاء الأعلى. كما اختاره مجلس القضاء الأعلى ليكون ممثلاً عن قضاة مصر في مجلس إدارة صندوق الخدمات الصحية والاجتماعية بوزارة العدل.
ولم تقتصر خبراته القضائية على الساحة المحلية؛ بل امتدت دولياً بكونه مستشاراً قانونياً برابطة العالم الإسلامي بالمملكة العربية السعودية، لإعداد التشريعات والعقود واللوائح الاستثمارية. كما ترأس هيئة تحكيم بوزارة العدل للفصل في المنازعات التجارية والقانونية.
ونظراً لخبرته العملية الطويلة، فالمستشار الدكتور علي قام بصفته مدرب قضائي بالقاء وتدريب العديد من السادة القضاة ووكلاء النيابة العامة و رؤساء نيابة النقض فضلا عن المشاركة في إلقاء المحاضرات وتدريب السادة القضاة و رؤساء ووكلاء النيابة العسكرية بمركز الدراسات القضائية التابع لوزارة العدل بالعباسية بالقاهره.
توازت مسيرته القضائية الحافلة مع عطاء أكاديمي زاهر؛ حيث امتدت رحلته في التدريس الجامعي بكليات الحقوق لأكثر من ثلاثين عاماً متواصلة في جامعتي الزقازيق والمنصورة، وكلية وأكاديمية الشرطة. وتولى تدريس القانون الجنائي، والإجراءات الجنائية، والقانون المدني، والتجاري، ومبادئ الشريعة الإسلامية لطلاب الليسانس والدراسات العليا.
وأصبح مرجعاً كبيراً في تقييم الرسائل العلمية؛ إذ ناقش وحكّم أكثر من ستين رسالة دكتوراه وماجستير في كليات الحقوق بالجامعات المصرية المختلفة (الزقازيق، المنصورة، طنطا، أسوان، المنوفية، حلوان، وجامعة مدينة السادات). كما حكّم الأبحاث والدراسات بالمجلات العلمية المحكمة مثل: مجلة معهد القضاء الشرعي في عمان، مجلة نادي قضاة مصر، أبحاث المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، ومعهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية. وصدر مؤخراً قرار رئيس جامعة الزقازيق باختياره عضواً بمجلس إدارة مركز الدراسات الدولية القانونية والاقتصادية بكلية الحقوق. ولقد قام بالمشاركة والقاء المحاضرات في الدورة العلمية عن الناحية الإجرائية لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم ١٧٥ لسنة ٢٠١٨ بكلية الحقوق جامعة القاهرة.
ومن المحاضرات الهامة التي قام بالقاءها في كلية القانون بالجامعة البريطانية وحضرها نخبة من عميد وأساتذة الكلية والمستشارين بمحاكم الاستئناف ومحكمة النقض محاضرة بعنوان العلاقة بين المنطق القضائي والقانون الجنائي وقد نشرتها الكلية علي مواقعها الإلكترونية.
ومن الأوراق والأبحاث العلمية الهامة التي قدمها والقاها بمؤتمر كلية القانون جامعة بدر بحضور عميد وأساتذة الكلية ووزراء الصحة السابقين ونقيب الأطباء عن المسؤولية الجنائية للطبيب وأقام التوازن فيها بين مسؤولية الطبيب المعالج وحقوقه خاصة حقوقه المادية وحقه في الحماية والأمن أثناء العمل.
وقد أثرى المكتبة القانونية بالعديد من الكتب والبحوث المتخصصة، منها: وسائل المواجهة الجنائية للجريمة المنظمة عبر الحدود، أحكام المسؤولية الجنائية للأحداث، دراسات متقدمة في الجرائم الإلكترونية، الحماية الجنائية للبيئة، وجرائم تقنية المعلومات ووسائل الدفع الإلكترونية، أبحاث في السياسة الجنائية، العدالة الجنائية، والتشريعات المقارنة.
يحرص دائماً على مواكبة المستجدات وتطوير مهاراته العلمية والأكاديمية، حيث اجتاز العديد من الدورات والبرامج المتخصصة؛ أبرزها دورة تدريب المدربين (TOT) بمركز الدراسات القضائية، ودورة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي والتدريس الجامعي بجامعة عين شمس. كما تعمق في مجالات التحكيم التجاري والدولي، إضافة إلى مشاركته في برامج القانون الدولي الإنساني، وحقوق الإنسان، والقيادة القضائية، فضلاً عن إتقانه للمصطلحات القانونية باللغة الفرنسية.
كما يحمل عضويات مهنية متعددة في الهيئة القضائية المصرية، محكمة النقض، المركز القومي للدراسات القضائية، الجمعية المصرية للقانون الجنائي، والجمعية المصرية لقانون الإنترنت.
إن سيرة المستشار الأستاذ الدكتور علي فرجاني هي النموذج المشرق للقاضي العالم والأكاديمي الملهم، الذي نذر حياته لخدمة رسالة العدالة ونشر العلم، ليبقى اسمه علامة فارقة ونبراساً يضيء طريق الباحثين ورجال القانون في مصر والعالم العربي
اترك تعليقًا
نرحب بأفكاركم وملاحظاتكم حول هذا المنشور. نرجو منكم الالتزام بالاحترام، وأن تكون تعليقاتكم ضمن الموضوع، وخالية من الرسائل المزعجة أو الروابط الترويجية. لن يتم نشر بريدكم الإلكتروني، وستتم مراجعة جميع التعليقات لضمان حوار بنّاء.
الحقول المطلوبة مُعلَّمة *.

English






