الإنتربول والقانون الجنائي.. عندما تتجاوز الجريمة حدود الدولة

الاستاذ الدكتور فادي مكاوي

أستاذ القانون الجنائي و الخبير فى الشؤون السياسية و الاستراتيجة و الأمنية

  • Tiktok Tiktok
  • Instagram Instagram
  • Facebook Facebook
  • Linkedin Linkedin

الإنتربول والقانون الجنائي.. عندما تتجاوز الجريمة حدود الدولة

في زيارتي الأخيرة إلى مقر منظمة الشرطة الجنائية الدولية «الإنتربول» في مدينة ليون الفرنسية، لم تكن الزيارة مجرد جولة داخل واحدة من أهم المؤسسات الأمنية الدولية، وإنما كانت فرصة مهمة للتأمل في العلاقة المتنامية بين القانون الجنائي الوطني والتعاون الجنائي الدولي، وفي الكيفية التي أصبحت بها مواجهة الجريمة الحديثة تتطلب أدوات تتجاوز حدود الدولة.

فالجريمة لم تعد في كثير من صورها جريمة محلية. فالمجرم يستطيع أن يرتكب الجريمة في دولة، ويستخدم بنية أو أدوات موجودة في دولة أخرى، ثم ينتقل إلى دولة ثالثة، بينما تكون عوائد الجريمة في دولة رابعة. وهنا تظهر أهمية الإنتربول باعتباره منصة للتعاون بين أجهزة إنفاذ القانون في الدول المختلفة؛ إذ يضم حاليًا 196 دولة عضو، ويربط أجهزة الشرطة من خلال منظومة اتصال آمنة تتيح تبادل المعلومات والبيانات الجنائية. 


ومن المنظور القانوني، فإن الإنتربول لا يحل محل القضاء الوطني، ولا يمثل «شرطة عالمية» بالمعنى التقليدي، وإنما يعمل على تيسير التعاون الشرطي الدولي في حدود القوانين الوطنية والقواعد الدولية. وهذه نقطة شديدة الأهمية لفهم العلاقة بين الإنتربول والقانون الجنائي.

فالقانون الجنائي هو الذي يحدد الفعل المجرّم والعقوبة والمسؤولية الجنائية داخل الدولة، بينما يوفر التعاون الدولي الأدوات التي تساعد على ملاحقة الجريمة عندما تتجاوز الحدود الإقليمية.

ومن أبرز هذه الأدوات النشرات الدولية، وعلى رأسها النشرة الحمراء، التي تهدف إلى تحديد مكان شخص مطلوب وتوقيفه بصورة مؤقتة تمهيدًا للإجراءات القانونية ذات الصلة، وفقًا للقوانين الوطنية للدولة التي يوجد فيها الشخص. والنشرة الحمراء ليست في حد ذاتها أمرًا دوليًا بالقبض صادرًا من الإنتربول. 

وهنا تتجلى أهمية رجل القانون الجنائي؛ لأن التعامل مع الجريمة العابرة للحدود لا يتوقف عند معرفة أن شخصًا «مطلوب»، وإنما يستلزم فهمًا دقيقًا لقواعد الاختصاص الجنائي، وتسليم المجرمين، والمساعدة القانونية المتبادلة، وحجية الأدلة، وحماية البيانات، وضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الإنسان.

واللافت خلال التعرف عن قرب على منظومة العمل داخل الإنتربول هو حجم الاعتماد على البيانات والأدلة الجنائية؛ فهناك قواعد بيانات عالمية تتضمن معلومات عن الأشخاص والبصمات والوثائق المسروقة والمركبات وغيرها، كما تشمل المنظومة قواعد للحمض النووي، وبصمات الأصابع، والتعرف على الوجوه، وغيرها من الأدوات التي يمكن أن تربط بين وقائع إجرامية وقضايا تقع في دول مختلفة. 

ومن هنا فإن التطور التكنولوجي أعاد تشكيل مفهوم التحقيق الجنائي نفسه. فلم يعد مسرح الجريمة بالضرورة مكانًا ماديًا واحدًا، بل قد يكون مسرح الجريمة موزعًا بين عدة دول، وقد تكون الأدلة رقمية، أو مالية، أو إلكترونية، أو مرتبطة بسلاسل توريد دولية.

وتزداد أهمية ذلك في جرائم الجريمة المنظمة، والجرائم الإلكترونية، والاتجار غير المشروع، والجرائم المالية، والإرهاب، وجرائم الملكية الفكرية. وفي هذا السياق، يتعاون الإنتربول مع جهات دولية مختلفة لمواجهة الجرائم العابرة للحدود، كما توجد أطر للتعاون في مجال جرائم الملكية الفكرية، وهو مجال يتقاطع بصورة مباشرة مع حماية الاقتصاد والمستهلك والأمن المجتمعي. 

لكن القوة الحقيقية لهذا النظام لا تأتي من التكنولوجيا وحدها، وإنما من القانون.

فالإنتربول نفسه يخضع لإطار قانوني يوازن بين التعاون الأمني من ناحية، واحترام السيادة الوطنية وحقوق الإنسان والحياد وحماية البيانات من ناحية أخرى. كما تخضع النشرات الدولية لقواعد وضوابط قانونية قبل تداولها. 


وهنا أرى أن مستقبل القانون الجنائي لن يكون منفصلًا عن مستقبل التعاون الجنائي الدولي. فالمحامي والقاضي والباحث ورجل الشرطة في عصر الجريمة العابرة للحدود يحتاجون جميعًا إلى معرفة أوسع من حدود التشريع الوطني؛ معرفة تجمع بين القانون الجنائي، والقانون الدولي، والتكنولوجيا، والأدلة الرقمية، والتعاون الأمني الدولي.

ومن قلب ليون، كانت الرسالة الأوضح بالنسبة لي: الجريمة قد تعبر الحدود في ثوانٍ، ولذلك يجب أن يكون القانون والتعاون بين أجهزة إنفاذ القانون قادرين على عبور الحدود بالسرعة نفسها، مع الحفاظ دائمًا على سيادة القانون وحقوق الإنسان.

هل أعجبك هذا المقال؟




اترك تعليقًا

نرحب بأفكاركم وملاحظاتكم حول هذا المنشور. نرجو منكم الالتزام بالاحترام، وأن تكون تعليقاتكم ضمن الموضوع، وخالية من الرسائل المزعجة أو الروابط الترويجية. لن يتم نشر بريدكم الإلكتروني، وستتم مراجعة جميع التعليقات لضمان حوار بنّاء.


الحقول المطلوبة مُعلَّمة *.

whatsapp call