لماذا نحن مضغوطون؟
المستشار عبد الرحمن نصير
عبدالرحمن نصير نائب رئيس مجلس الدولة المصري، وحاصل على شهادة Life Coaching من جهة معتمدة من الاتحاد الدولي للكوتشينج (ICF)، وشهادة مدرب دولي معتمد
لماذا نحن مضغوطون؟
هل شعرت يومًا بإرهاقٍ لا تعرف له سببًا واضحًا؟ أن خطواتك نحو أهدافك أصبحت أبطأ، رغم أنك تبذل الجهد ذاته؟ أو أن عقلك لا يتوقف عن التفكير قبل النوم، فيحرمك من راحةٍ تستحقها؟ ماذا عن تركيزك هذه الأيام… وذاكرتك… ونشاطك؟
إن مررت باثنين من هذه الأعراض أو أكثر، فأنت لا تعاني وحدك، بل تعيش ما يعيشه أغلب الناس في عصرنا الحديث: الضغط النفسي.
ببساطة، الضغط النفسي هو حالة تشعر فيها بأن متطلبات الحياة، والتزاماتها، وتحدياتها، تفوق قدرتك الحالية على التحمّل أو التكيّف. وهو أمر طبيعي نمر به جميعًا، لكنه يصبح خطرًا حين يتراكم دون وعي أو إدارة.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود الضغوط، بل في تجاهلها. فالإنسان الذي لا يفهم ما يمر به، يشبه من يواجه خصمًا مجهولًا؛ لا يرى ملامحه، ولا يعرف قوته، ولا يملك خطة لمواجهته… فيصبح فريسة سهلة له.
ومع تراكم الضغوط، تبدأ آثارها في الظهور: صداع، أرق، ضعف في التركيز، توتر دائم، وربما سلوكيات سلبية كالانعزال أو الإفراط في التدخين أو غيره. وفي بعض الحالات، قد تتطور إلى الاكتئاب إذا لم يتم التعامل معها بوعي.
لذلك، فإن فهم الضغوط النفسية لم يعد رفاهية، بل ضرورة لكل من يريد أن يعيش حياة متوازنة.
إذا نظرنا حولنا، سنجد أن أسباب الضغط النفسي متعددة، لكنها غالبًا تدور في خمس دوائر رئيسية:
أولًا: سرعة إيقاع الحياة
نعيش اليوم في عالمٍ سريع، تتلاحق فيه الأحداث بلا توقف. بين العمل، والمسؤوليات، ومتطلبات الأسرة، نجد أنفسنا نركض طوال اليوم دون أن نتوقف لحظة. نؤجل الجلوس مع أنفسنا بحجة “عدم وجود وقت”، بينما الحقيقة أن دقائق قليلة يوميًا من الهدوء قد تغيّر يومك بالكامل.جرّب أن تمنح نفسك خمس دقائق فقط يوميًا… دون هاتف، دون تفكير، فقط هدوء، ويمكنك ممارسة جلسات الإسترخاء ستكتشف أنها أشبه بإعادة شحن حقيقية لنفسك.
ثانيًا: الإفراط في استخدام وسائل التواصل
أصبحت هذه الوسائل جزءًا من يومنا، لكن الإفراط فيها يخلق ضجيجًا داخليًا هائلًا. صور مثالية، مقاطع سريعة، مقارنات لا تنتهي… كل ذلك يُدخل إلى عقولنا أفكارًا قد لا تمت للواقع بصلة، ويُبعدنا عن الشعور بالسكينة.
تحديد وقت يومي لاستخدام الهاتف ليس رفاهية، بل ضرورة لحماية هدوئك الداخلي.
ثالثًا: التوقعات غير الواقعية
كم مرة توقعت من الآخرين أن يفهموا ما بداخلك دون أن تتحدث؟ أو توقعت نتائج كبيرة في وقتٍ قصير، كأن توقعت مثلاً الوصول للجسم المثالى لمجرد التزامك بنطام غذائي او ممارسة رياضة لبضع أيام؟ التوقعات المبالغ فيها تصنع فجوة بين الواقع وما نريده، وهذه الفجوة هي أحد أهم مصادر الضغط.
كلما اقتربت توقعاتك من الواقع، قلّ توترك، وزادت قدرتك على الرضا.
رابعًا: الضغوط البيئية اليومي
أحيانًا تكون مصادر الضغط بسيطة جدًا، لكننا لا ننتبه لها: مهام مؤجلة، مكتب غير مرتب، مكالمة لم تُجرَ بعد، تفاصيل صغيرة لكنها تتراكم داخلنا.هذه الأمور، الروتين اليومى، تلك الأمور رغم بساطتها، تستهلك جزءًا من طاقتنا الذهنية دون أن نشعر.
التعامل مع هذا النوع من الضغوط يبدأ بخطوة بسيطة: اكتب مهامك، رتّبها حسب الأولوية، وابدأ بالأهم. إنجازك لشيء واحد مهم يوميًا يمنحك شعورًا بالسيطرة والرضا.
خامسا : الضغوط الداخلية
يعد أخطر أنواع الضغوط هى الضغوط الداخلية… ذلك الصوت الخفي الذي يطالبك بالكمال، ويقارن بينك وبين غيرك، ويقسو عليك حين تخطئ. هو نظرتك لنفسك حين تشعر أنك “غير كافٍ”، أو خوفك المستمر من الفشل أو رفض الآخرين. أو عدم تمام المهمة على أفضل وجه
هذا النوع من الضغط لا يراه أحد… لكنه الأكثر تأثيرًا. لأنه لا يأتي من الخارج، بل يسكن داخلك، ويصاحبك أينما ذهبت. والتعامل معه لا يكون بالهروب، بل بالوعي: كيف ترى نفسك؟ وكيف تخاطبها؟ وهل تمنحها ما تمنحه للآخرين من تفهّم ورحمة؟
وفيما تناولناه هنا من جوانب للضغوط، يظل هناك جانبٌ أعمق لم نتطرق إليه بعد…
الضغوط الناشئة عن العلاقات من أشخاص حولنا كالأقارب أو الأصدقاء وغيرهم ، وكذلك تلك التي تنبع من داخلنا بشكل أكثر تعقيدًا، وهو ما سنفرد له حديثًا أكثر تفصيلًا في مقالٍ لاحق، بإذن الله.
ختامًا…
تخيّل أن قدرتك على التحمّل هي كوب، والضغوط هي الماء الذي يُسكب فيه. إن استمر السكب دون تفريغ، سيفيض الكوب لا محالة.لذلك، احرص بين الحين والآخر على “تفريغ كوبك”: بالكتابة، بالحديث، أو حتى بالتوقف قليلًا.
فالهدف ليس أن نمنع الضغوط تمامًا—فهذا مستحيل—بل أن نتعلّم كيف نديرها، ونعيش رغم وجودها بجودةٍ أعلى.
ولنتذكر قول النبي ﷺ من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا"
ربما نملك الكثير… لكننا ننسى أن نراه.
وإذا شعرت أن ما قرأته يعبّر عنك، فتذكّر أن الحديث عمّا بداخلنا ليس ضعفًا… بل بداية الطريق نحو الاتزان.
وكلما فهمت نفسك أكثر، أدركت أن ما يُرهقك لم يكن دائمًا في الخارج… بل في طريقة رؤيتك له.
فاللهم ألهمنا البصيرة لندرك بها ضغوط من حولنا، والحكمة لنحسن التعامل معها، والإرادة لنغيّر أنفسنا ونتكيّف معها، والقوة والصلابة لنستمر، حتى نبلغ الطمأنينة والسكينة والتسليم، ونعيش حياةً طيبةً يسعى إليها كل إنسان.
تعليقات
اترك تعليقًا
نرحب بأفكاركم وملاحظاتكم حول هذا المنشور. نرجو منكم الالتزام بالاحترام، وأن تكون تعليقاتكم ضمن الموضوع، وخالية من الرسائل المزعجة أو الروابط الترويجية. لن يتم نشر بريدكم الإلكتروني، وستتم مراجعة جميع التعليقات لضمان حوار بنّاء.
الحقول المطلوبة مُعلَّمة *.

English



Amr Mohamed Saleh
مقال حقيقي جدا و بيوصف اللي بنعاني منه في حياتنا و مش عارفين ندركه و لا نتعامل معاه بس بنحس بيه بثقل جوانا استفدت منه جدا ورتبلي و نظملي اللي بمر بيه و مش عارف أتعامل معاه إزاي شكرا جدا و يا ريت يكون فيه مقالات أكتر بتناقش الجوانب ديه في حياتنا 🌹❤️👍
نبيلة بيومي
موضوع مهم جدا و عرض اكثر من رائع و سلاسة في الشرح
Omnia Elkhateeb
حقيقى ده بقى شعورنا جميعاً للاسف ولسه انهارده كنت بقول نفسى اوى اتعامل مع كل حاجه ف حياتى بهدوء وبدون ما اجرى وابقى علطول مستعجله وابقى هاديه حتى ف حركتنا ف سواقتنا ف كل حاجه حرفياً محتاجين نتعامل ببرود كمان مش هدوء بس علشان اعصابنا والضغط الى احنا فيه ده بقى شئ مش عادى ولا عادل للاسف 🥹🥹💔 حقيقى المقاله جت ف وقتها اوى شكرا ليك 🤗👏🏼
Merihan Elkaffas
😍👏💪🏻💪🏻