ما وراء الحواجز... دومينيك بيرنثانر وقصة الثقة الخفية
دومينيك بيرنثنير
فارسه رياضيه و اخصائيه تربيه اجتماعيه
ما وراء الحواجز... دومينيك بيرنثانر وقصة الثقة الخفية
في رياضة الفروسية، لا تتلخص الرحلة في لحظة تجاوز الحاجز، ولا في عدد المشاركات في البطولات؛ فما يصنع الفارس حقاً هو الطريق الطويل الذي يؤدي إلى تلك اللحظة. هذه الرياضة، رغم أناقتها وانضباطها، تُبنى في جوهرها على علاقة حساسة بين الإنسان والخيل—رابطة تُشيد ببطء من خلال الصبر، والثقة، والعمل اليومي. وفي هذا العالم، حيث تتشابك المهارة مع الشغف، تبرز أحياناً قصص لا تعتمد على الامتيازات بقدر ما تعتمد على الالتزام. ومن بين هذه القصص تبرز تجربة الفارسة "دومينيك بيرنثانر"، التي تعد مسيرتها نموذجاً لكيفية تحول الشغف المبكر إلى مسار حقيقي داخل مجتمع الفروسية.
لم تبدأ علاقتها بالخيل كمشروع احترافي واضح، بل بدأت في بيئة كانت الخيول فيها جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية. عندما تلقت درسها الأول في ركوب الخيل في سن الخامسة، بدا الأمر وكأنه تجربة عابرة لطفلة فضولية، لكن تلك اللحظة الصغيرة كانت بداية لرابطة ستكبر معها عاماً بعد عام. وبعد فترة وجيزة، انتقلت عائلتها إلى الريف النمساوي، وهناك بدأ عالم جديد يتشكل من حولها.
تكشف الحياة داخل الإسطبل عن الوجه الحقيقي للفروسية، بعيداً عن الصورة التي يراها الجمهور في البطولات. فالقفزة التي تظهر كفعل عابر هي في الواقع ثمرة ساعات طويلة من العمل؛ حيث يبدأ اليوم مبكراً بتفاصيل رعاية الخيل، ومراقبة التدريب، والانتباه إلى أدق الإشارات. في تلك البيئة، تعلمت دومينيك أن العلاقة مع الحصان لا تقوم على فرض السيطرة، بل على التفاهم. أما الثقة، فهي لا تُطلب ولا تُفرض، بل تُبنى بمرور الوقت.
ومع مرور السنين، أصبحت هذه التفاصيل اليومية هي حجر الأساس في خبرتها. شاركت في أعمال الإسطبل، وساهمت في تدريب الخيول الشابة، وتعلمت كيف يمكن لأسلوب الفارس أن يغير استجابة الحصان تماماً. منحها هذا الاحتكاك المبكر معرفة عملية بعالم الفروسية—معرفة تتجاوز المهارة التقنية لتلمس جوهر الرابطة بين الفارس وحصانه.
عندما بدأت المشاركة في مسابقات قفز الحواجز، كانت تمتلك بالفعل هذا الأساس. وفي هذا التخصص تحديداً، يصبح التناغم بين الفارس والحصان عنصراً حاسماً؛ فالمسار داخل الميدان يتطلب قرارات سريعة وحركات دقيقة، وكل قفزة تعتمد على توازن لحظي بين الاثنين. لذا، تحتل هذه الرياضة مكانة خاصة داخل مجتمع الفروسية.
تدريجياً، وجدت دومينيك مكانتها داخل هذا العالم، وشاركت في مسابقات وطنية ودولية، ووصلت إلى مستويات متقدمة في القفز على ارتفاعات تصل إلى حوالي 1.40 متر. إن الوصول إلى هذا المستوى لا يرتبط باللياقة البدنية وحدها، بل بسنوات من العمل المشترك وبناء الثقة بين الفارس والحصان. بالنسبة لها، لم تكن القفزة هي الإنجاز الحقيقي، بل كان الإنجاز هو الرحلة التي أدت إليها.
ومع ذلك، لم تقتصر مسيرتها على الجانب الرياضي فقط. فإلى جانب الفروسية، اختارت العمل في مجال التربية الاجتماعية مع الشباب—وهو مجال يركز على دعم الأفراد ومساعدتهم على اكتشاف قدراتهم والتعامل مع التحديات التي يواجهونها. لم ترَ في هذا المسار ابتعاداً عن عالم الخيل؛ فالسنوات التي قضتها في الإسطبل علمتها الصبر، والاهتمام بالتفاصيل، والقدرة على فهم الآخرين قبل محاولة توجيههم.
تماماً كما هو الحال في التعامل مع الخيل، تكتشف دومينيك في عملها مع الشباب أن الثقة لا يمكن قسرها، بل تُبنى تدريجياً من خلال الإنصات والتفاهم. هذا التقاطع بين التجربتين جعلها تنظر إلى الفروسية كجربة إنسانية بقدر ما هي تجربة رياضية. ومع اتساع خبرتها، بدأت في مشاركة هذه الرحلة مع جمهور أوسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تقدم صورة أكثر واقعية لحياة الفارس: التدريبات اليومية، التحديات المستمرة، والنجاحات التي تأتي بعد جهد طويل. إنها نافذة على تفاصيل لا تظهر عادة في ميادين البطولات.
وفي قلب هذه الرحلة يقف حصانها، "لورد أوف مادنس"؛ الذي يمثل أكثر من مجرد شريك في المنافسة؛ فقد ربته بنفسها منذ البداية ورافقته في مراحل تطوره المختلفة. إن إعداد حصان قادر على المنافسة لا يحدث بسرعة؛ إنه طريق طويل يتطلب الوقت والصبر والتفاهم المتبادل.
من خلال هذه التجربة، تشكلت فلسفتها في التعامل مع الخيل؛ فهي تؤمن بأن الأداء الحقيقي لا يأتي من الضغط أو القسوة، بل من التوازن. يحتاج الحصان إلى بيئة صحية وفهم لطبيعته الفردية، وعندما يشعر بالثقة، يمكنه تقديم أفضل ما لديه. بالنسبة لها، الفروسية ليست مواجهة بين فارس وحصان، بل هي شراكة يسعى فيها الطرفان لتحقيق الهدف نفسه.
تمنح هذه الرؤية رحلتها طابعاً مختلفاً داخل مجتمع الفروسية. في رياضة يُختصر فيها النجاح أحياناً في النتائج السريعة، تذكرنا قصتها بأن الطريق أطول وأعمق؛ فالإنجاز الحقيقي يتشكل عبر سنوات من العمل الهادئ الذي قد لا يراه أحد. ولهذا السبب، تلاقي تجربتها صدى لدى الكثيرين؛ فهي لا تقدم صورة مثالية خالية من التحديات، بل تقدم رحلة واقعية يتقاطع فيها الرياضي بالقيم الإنسانية—رحلة بدأت بطفلة تكتشف عالم الخيول بفضول بسيط، ثم تحولت مع الوقت إلى مسار يجمع بين الشغف والمسؤولية والرغبة في ترك أثر.
في النهاية، تعيدنا قصة دومينيك إلى جوهر الفروسية: علاقة طويلة بين الإنسان والحصان مبنية على الصبر والثقة والتفاهم. وبينما تستمر رحلتها داخل هذا العالم، يظل ما يميزها ليس فقط ارتفاع القفزات، بل الطريقة التي اختارت بها أن تسير في الطريق المؤدي إليها.
اترك تعليقًا
نرحب بأفكاركم وملاحظاتكم حول هذا المنشور. نرجو منكم الالتزام بالاحترام، وأن تكون تعليقاتكم ضمن الموضوع، وخالية من الرسائل المزعجة أو الروابط الترويجية. لن يتم نشر بريدكم الإلكتروني، وستتم مراجعة جميع التعليقات لضمان حوار بنّاء.
الحقول المطلوبة مُعلَّمة *.

English






