التحكيم والتدريب والريادة ... ثلاثية الإتقان التي منحت آية عيسى الشارة الدولية الذهبية
اية عيسي
التحكيم والتدريب والريادة ... ثلاثية الإتقان التي منحت آية عيسى الشارة الدولية الذهبية
لا تولد القيادات المؤثرة مصادفة، بل تتبلور حين تجتمع المعرفة الدقيقة مع القدرة على اتخاذ قرارات ترسم مسارًا مختلفًا عمّا هو معتاد. و في الساحة الرياضية العربية، تشكل مسيرة المدربة الدولية آية عيسى أحد أكثر النماذج وضوحًا على هذا المبدأ؛ فهي لم تدخل رياضة تتطلب قدرًا عاليًا من المهارة والانضباط لتكتفي بالمشاركة، بل أعادت بناء حضور المرأة داخلها من الأساس. بدأ طريقها من تعليم أكاديمي صلب، واتسع ليشمل أدوارًا قيادية في التدريب والتحكيم والتنظيم، لتقدم نموذجًا مهنيًا يتجاوز فكرة الإنجاز الفردي ليؤسس لمسار مؤسسي جديد داخل رياضة التقاط الأوتاد في مصر والمنطقة العربية.
بدأت آية خطوتها الأولى من قاعة محاضرات في الأكاديمية العربية للعلوم و التكنولوجيا و النقل البحري، حيث درست في كلية اللغات والإعلام. وعلى الرغم من أن هذا التخصص قد يبدو بعيدًا للوهلة الأولى عن عالم الفروسية، فإنه منحها أدوات تحليلية و رؤى معرفية مكنتها من فهم السياقات المحيطة بالعمل الرياضي، إضافة إلى مهارات تواصل دقيقة دعمت حضورها في البيئات متعددة الجنسيات. كما أتاح لها إتقانها اللغتين العربية و الإنجليزية مساحة واسعة للتفاعل مع المدربين والحكام والخبراء في البطولات الدولية، و هو ما أثبت منذ وقت مبكر أن تعليمها لم يكن خطوة عابرة، بل قاعدة صلبة بنيت عليها مسيرتها المهنية.
بدأت آية الفروسية وهي في عمر الاربع سنوات وفي عمر الخامسة عشر بدأت ولم تتردد في دخول مجال يغلب عليه الحضور الذكوري، وهي رياضة التقاط الأوتاد، التي تعتمد على جزء من الثانية لتحديد الفوز أو الخسارة، وعلى قدرة عالية في اتخاذ القرار والتحكم الدقيق. ثم بعد ذلك عملت في التدريب و التحكيم معًا، و هو مسار لا يلجأ إليه إلا من يمتلك الثقة والمعرفة والانضباط. واستطاعت، بفضل التزامها المستمر، أن تحصل على الشارَة الدولية الذهبية في التدريب والتحكيم، وهي أعلى درجة مهنية في هذا التخصص، وتمنح للقلة التي تصل إلى مستوى مرتفع من الإتقان الفني و أنماط التحكيم المعتمدة دوليًا. و قد شكل هذا الإنجاز نقطة تحول في مسيرتها، ليس فقط لأنه منحها اعترافًا رسميًا من جهة دولية، بل لأنه فتح لها أبواب المشاركة في بطولات كبرى، و أكد أنها لم تعد مجرد مدربة مجتهدة، بل جزءًا من منظومة احترافية لها وزنها.
و مع صعودها المتسارع، أسست آية مشروعًا نوعيًا على مستوى مصر و المنطقة، Gallop Away Academy، أول أكاديمية مصرية معتمدة لتدريب رياضة التقاط الأوتاد. لم يكن هذا المشروع مجرد امتداد لمسيرتها، بل كان خطوة لتحويل الإنجاز الفردي إلى بنية مؤسسية قادرة على إنتاج أجيال جديدة من الفتيات والشباب. و قد صممت الأكاديمية وفق أسس تدريبية تتماشى مع القواعد الدولية، ما جعلها منصة لتكوين مهارات حقيقية وإعداد عناصر قادرة على دخول المنافسات الرسمية. وكان هذا التأسيس دليلًا على أن رؤيتها لا تتعلق بتحقيق حضور شخصي، بل بخلق منظومة مستدامة تتجاوز عمر التجربة الفردية.
و في الجانب القيادي، تولت آية تدريب المنتخب المصري في رياضة التقاط الأوتاد، و تمكن الفريق تحت إشرافها من تحقيق المركز الأول في البطولة المؤهلة لكأس العالم، و هو إنجاز يعكس قدرتها على بناء فريق، و إدارة طاقات مختلفة، وصياغة خطة تدريبية دقيقة تقود إلى نتائج ملموسة في المحافل الدولية. وعلى مستوى التحكيم، شاركت في إدارة منافسات رسمية في دول عدة، من بينها الأردن و السعودية، وهو اعتراف بقدرتها على إدارة السباقات بدقة عالية وفي بيئات تنافسية تتطلب انضباطًا صارمًا. كما تم ترشيحها لتقييم مسابقات الزي التقليدي، وهي مهمة تحتاج إلى معرفة شاملة بالتراث و قواعد التحكيم، ما يعكس اتساع خبرتها داخل هذا المجال.
و تجاوزت أدوار آية الجانب الفني لتشمل التنظيم الرياضي والإدارة الإعلامية والعلاقات العامة، إذ شاركت في التخطيط والتنسيق للفعاليات الدولية، وعملت مع اللجان المسؤولة عن الهدايا الرسمية والرعاة، وأسهمت في الترويج للبطولات وإخراجها بشكل يليق بسمعة الدولة المستضيفة. و قد بلغ حضورها التنظيمي ذروته عندما أشرفت على العرض الختامي للبطولة المؤهلة لكأس العالم عام 2023، وهو دور لا يمنح إلا لمن يمتلك مزيجًا من القدرة على الإدارة تحت الضغط، والقدرة على تحويل الرؤية التنظيمية إلى تنفيذ عملي متقن.
لم تكن مسيرتها المهنية بعيدة عن الحس الإنساني؛ فقد أسست مبادرة "فرسان السعادة" لدعم الأطفال المصابين بالسرطان والناجين من الصدمات النفسية و ذوي الاحتياجات الخاصة. و قد اتخذت هذه المبادرة من الرياضة وسيلة للتعافي النفسي وبناء الثقة لدى الفئات الأكثر هشاشة، ما جعل جانبها الإنساني مكملاً طبيعيًا لمسيرتها المهنية. كما شاركت في مبادرات مجتمعية أخرى بالتعاون مع مؤسسات مختلفة، وساهمت في نشر ثقافة الرياضات غير التقليدية بين الفتيات، واستطاعت عبر حضورها الإعلامي أن تقدم نموذجًا ملهمًا للمرأة العربية في رياضة تحتاج إلى عزم و قدرة على تجاوز الحواجز.
و تقديرًا لإسهاماتها، تلقت آية شهادات تكريم واعتماد مهني من جهات عربية و دولية، كان أبرزها الشارَة الدولية الذهبية، إضافة إلى تكريم من الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا خلال احتفاليتها باليوبيل الذهبي. كما شاركت في مؤتمرات تبحث مستقبل الفروسية ومكانة المرأة فيها، وهو ما عزز حضورها كصوت مهني معترف به داخل الأوساط الرياضية و القيادية.
إن قراءة مسيرة المدربة الدولية آية عيسى تكشف عن تجربة مهنية ذات خطوات متراكمة لا تقوم على الصدفة، ولا على الظهور الإعلامي، بل على تعليم متين، وخبرة ميدانية واسعة، وقدرة على القيادة في مواقع دقيقة. إنها مثال لامرأة أعادت تعريف دورها داخل مجال تقليدي، ونجحت في تحويل حضورها من تجربة فردية إلى إطار مؤسسي يدعم مستقبل الرياضة النسائية في مصر والمنطقة. وما يجعل تجربتها جديرة بالوصول للعالمية ليس حجم الإنجازات فحسب، بل نموذج العمل الذي قدمته: احتراف، رؤية، واستدامة، ثلاثية تصنع دائمًا الفرق بين مشاركة عابرة و مسيرة تبقى.
اترك تعليقًا
نرحب بأفكاركم وملاحظاتكم حول هذا المنشور. نرجو منكم الالتزام بالاحترام، وأن تكون تعليقاتكم ضمن الموضوع، وخالية من الرسائل المزعجة أو الروابط الترويجية. لن يتم نشر بريدكم الإلكتروني، وستتم مراجعة جميع التعليقات لضمان حوار بنّاء.
الحقول المطلوبة مُعلَّمة *.

English





