نهج "الصحة الواحدة " لم يعد خيارا، بل ضرورة عالمية.
الدكتوره أميرة عوض معوض
أستاذ علم الأحياء الدقيقة، معهد فريدريش لوفلر في ألمانيا.
نهج "الصحة الواحدة " لم يعد خيارا، بل ضرورة عالمية.
مقاومة مضادات الميكروبات، والعدوى الناشئة، والحاجة الملحة إلى حوكمة صحية متكاملة.
قد لا يبدأ التحدي الكبير التالي في مجال الصحة العامة داخل مستشفى، بل قد ينشأ عند نقطة التقاء صحة الإنسان والحيوان والبيئة. فهل سياساتنا مستعدة لذلك؟
في عالم يزداد ترابطا، نادرا ما تظل التهديدات الصحية محصورة في نوع واحد أو قطاع واحد أو حدود جغرافية بعينها. وتظهر الأمراض المعدية الناشئة، ومقاومة مضادات الميكروبات، ومخاطر سلامة الأغذية، والضغوط البيئية مدى الترابط الوثيق بين صحة الإنسان والحيوان وصحة النظم الإيكولوجية.
ومع ذلك، وعلى الرغم من تنامي الاعتراف الدولي بنهج «الصحة الواحدة»، لا يزال تحويل هذه الرؤية المشتركة إلى إجراءات منسقة وقابلة للقياس يمثل تحديا كبيرا على مستوى السياسات. لا يقتصر نهج «الصحة الواحدة» على كونه مفهوما علميا؛ بل هو إطار لتحسين سبل استباق المخاطر، وتوليد الأدلة، وتنسيق الاستجابات، واتخاذ القرارات عبر القطاعات المختلفة.
لماذا يجب أن تصبح «الصحة الواحدة» أولوية في السياسات؟
تجسد مقاومة مضادات الميكروبات مدى إلحاح هذا التحول. إذ يمكن للبكتيريا المقاومة ومحددات المقاومة أن تنتقل وتدور بين البشر والحيوانات والنظم الغذائية والبيئة. ولذلك، فإن التصدي لمقاومة مضادات الميكروبات يتطلب أكثر من مجرد الاستخدام الرشيد لمضادات الميكروبات داخل كل قطاع على حدة.
بل يتطلب ترصدا منسقا، وفحوصا مخبرية تشخيصية موثوقة، ووبائيات جزيئية، وإدارة رشيدة لاستخدام مضادات الميكروبات، وروابط أقوى بين الأدلة العلمية وصنع السياسات العامة. ومن المهم بالقدر نفسه تفسير بيانات الترصد في سياقها الوبائي. إذ يمكن للتنميط الجزيئي وتسلسل الجينوم الكامل أن يساعدا في تحديد العزلات البكتيرية المترابطة والتحقيق في مسارات الانتقال المحتملة. غير أن التشابه الجينومي وحده لا يكفي لإثبات اتجاه الانتقال أو تحديد مصدره. لذا، يجب أن تجمع التحقيقات الفعالة ضمن نهج «الصحة الواحدة» بين النتائج المخبرية والأدلة الوبائية والسريرية والبيطرية والبيئية.
وهنا تبرز ضرورة التكامل بين الخبرة العلمية والحوكمة الرشيدة.
من ترصد مجزأ إلى عمل متكامل، يتطلب إنشاء نظام مستدام للصحة الواحدة أكثر من تشغيل برامج ترصد منفصلة ومتوازية؛ بل يحتاج إلى آليات تتيح تبادل المعلومات ذات الصلة وتفسيرها وتحويلها إلى إجراءات في الوقت المناسب.
وثمة ثلاث أولويات تستحق اهتماما خاصا:
١. بناء نظم ترصد قابلة للتشغيل البيني
ينبغي للجهات المعنية بصحة الإنسان والطب البيطري وسلامة الأغذية والبيئة تعزيز آليات تبادل البيانات، ومواءمة مناهج الترصد ذات الصلة، ووضع إجراءات واضحة لتحديد التهديدات الناشئة والإبلاغ عنها.
٢. الاستثمار في القدرات المختبرية والذكاء الوبائي
يمكن للتشخيصات المتقدمة، والتوصيف البكتيري، والترصد الجينومي، والفرق العلمية المدربة جيدا أن تعزز الكشف المبكر والتحقيق في الفاشيات. وتزداد قيمة هذه الأدوات عندما تربط الأدلة المختبرية بالوبائيات الميدانية وبآليات صنع القرار المنسق.
٣. قياس التنفيذ، لا الاكتفاء بالتعهدات
ينبغي أن تتضمن استراتيجيات «الصحة الواحدة» مسؤوليات واضحة، وتمويلا مستداما، ومؤشرات قابلة للقياس، وتقييما دوريا. ويجب تقييم التقدم من خلال نتائج مثل تحسين الكشف، وتبادل المعلومات في الوقت المناسب، وتنسيق الاستجابة للفاشيات، وتعزيز الاستخدام المسؤول لمضادات الميكروبات.
فرصة استراتيجية لمنطقة الخليج
تتيح «الصحة الواحدة» لدول الخليج فرصة لتعزيز الأمن الصحي من خلال التعاون الإقليمي، والاستثمار في البنية التحتية المختبرية المتقدمة، وتعزيز التنسيق بين مؤسسات الصحة العامة والطب البيطري وسلامة الأغذية والبيئة.
إن الترابط الدولي، وحركة التنقل عبر الحدود، وأهمية بناء نظم غذائية قادرة على الصمود، كلها عوامل تجعل التأهب والكشف المبكر ذا قيمة خاصة. ويمكن للتعاون الإقليمي أن يحول القدرات الوطنية المنفردة إلى استجابة جماعية أقوى للتهديدات الناشئة.
ولا تقتصر الفرصة على تبني الأطر الدولية، بل تمتد إلى الإسهام في صياغة نماذج عملية للتنفيذ، تستند إلى الأدلة العلمية والحوكمة الفعالة والنتائج القابلة للقياس.
المضي قدما، توفر خطة العمل المشتركة للصحة الواحدة للفترة 2022–2026، التي وضعتها المنظمات الأربع: منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، ومنظمة الصحة العالمية (WHO)، والمنظمة العالمية لصحة الحيوان (WOAH)، إطارا دوليا مهمًا للنهوض بهذا النهج.
وتتمثل الخطوة التالية في ضمان انعكاس مبادئ «الصحة الواحدة» على القرارات اليومية: من كيفية تصميم نظم الترصد، إلى كيفية تمويل أولويات البحث، وكيفية تعاون المختبرات، وكيفية استجابة صانعي السياسات للأدلة.
لن يقاس النجاح الحقيقي بمدى تكرار استخدام مصطلح «الصحة الواحدة»، بل بقدرة سياساتنا على تمكيننا من اكتشاف التهديدات في وقت أبكر، ومنع الانتقال الممكن تجنبه، واستخدام مضادات الميكروبات بمسؤولية، وحماية صحة البشر والحيوانات والنظم الإيكولوجية معا.
يجب أن يتجاوز نهج «الصحة الواحدة» اللغة المشتركة إلى المسؤولية المشتركة، وأن ينتقل من الطموح السياسي إلى الأثر القابل للقياس.
اترك تعليقًا
نرحب بأفكاركم وملاحظاتكم حول هذا المنشور. نرجو منكم الالتزام بالاحترام، وأن تكون تعليقاتكم ضمن الموضوع، وخالية من الرسائل المزعجة أو الروابط الترويجية. لن يتم نشر بريدكم الإلكتروني، وستتم مراجعة جميع التعليقات لضمان حوار بنّاء.
الحقول المطلوبة مُعلَّمة *.

English



