عندما تتعارض براءة الاختراع مع الحق في الحياة: هل يجب أن تتراجع الملكية الفكرية أمام حق البشرية في العلاج؟
أمل أصلان
محامية أمام محكمة النقض
عندما تتعارض براءة الاختراع مع الحق في الحياة: هل يجب أن تتراجع الملكية الفكرية أمام حق البشرية في العلاج؟
لا تُقاس عظمة القوانين بقدرتها على حماية الحقوق في الظروف العادية، وإنما تُختبر قيمتها الحقيقية عندما تتصادم الحقوق فيما بينها.
ومن أعقد صور هذا التصادم في العصر الحديث، ذلك الذي ينشأ بين حقٍ خاص يتمثل في الحماية القانونية لبراءات اختراع الأدوية، وحقٍ عام يتجسد في حياة الإنسان وصحته.
فإذا نجحت شركة دوائية، بعد سنوات من البحث والاستثمار، في اكتشاف علاج لمرض قاتل، فمنحها القانون براءة اختراع تخولها احتكار استغلاله لمدة عشرين عامًا، ثم ظهر أن ملايين المرضى عاجزون عن الحصول على الدواء بسبب ارتفاع ثمنه، فهل يبقى الاحتكار مشروعًا؟ أم يصبح القانون، الذي وُجد لحماية الابتكار، سببًا في حرمان الإنسان من حقه في الحياة؟
هذا السؤال لم يعد افتراضًا فلسفيًا، بل أصبح أحد أكثر الإشكالات القانونية والأخلاقية إلحاحًا في النظام الدولي.
لقد أُنشئ نظام براءات الاختراع لتحقيق غاية نبيلة، وهي تشجيع الابتكار. فالمخترع لا ينفق سنوات من عمره ومليارات الدولارات في البحث العلمي ما لم يطمئن إلى وجود حماية قانونية تضمن له استرداد استثماراته وتحقيق عائد مشروع.
ومن ثم، فإن براءة الاختراع ليست امتيازًا مجانيًا، بل هي المقابل الذي يمنحه المجتمع للمبتكر لقاء كشف اختراعه للجمهور، بما يسمح بانتقال المعرفة بعد انتهاء مدة الحماية.
غير أن هذه الفلسفة القانونية تصطدم أحيانًا بواقع أكثر قسوة.
ففي مجال الصناعات الدوائية، لا يكون محل الاحتكار سلعة كمالية أو منتجًا ترفيهيًا، وإنما دواء قد تتوقف عليه حياة الإنسان.
وهنا يتحول النزاع من خلاف اقتصادي إلى سؤال وجودي: هل يجوز أن يصبح الحق في الحياة رهينًا بالقدرة على الدفع؟
إن الحق في الصحة والحق في الحياة من الحقوق الأساسية التي كرستها المواثيق الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، اللذان ألزما الدول بالسعي إلى توفير أعلى مستوى ممكن من الصحة لجميع الأفراد.
وفي المقابل، اعترفت اتفاقية تريبس (TRIPS) بحقوق أصحاب براءات الاختراع، لكنها لم تجعل هذه الحقوق مطلقة، بل أجازت في ظروف محددة اللجوء إلى آليات استثنائية، من بينها الترخيص الإجباري، الذي يسمح للدولة بالترخيص بإنتاج الدواء أو استيراده دون موافقة صاحب البراءة، مع منحه تعويضًا عادلًا، متى اقتضت الضرورة ذلك، ولا سيما في حالات الطوارئ الصحية والمصلحة العامة.
إن وجود هذه الآلية يكشف حقيقة قانونية بالغة الأهمية، وهي أن المجتمع الدولي ذاته لم يعتبر حقوق الملكية الفكرية حقوقًا تعلو على سائر الحقوق، وإنما أخضعها لمبدأ التوازن بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة.
وقد تجلى هذا التوجه بوضوح في إعلان الدوحة بشأن اتفاقية تريبس والصحة العامة، الذي أكد أن تفسير أحكام اتفاقية تريبس يجب أن يتم بطريقة تدعم حق الدول في حماية الصحة العامة، وتكفل حصول الجميع على الأدوية الأساسية.
وهنا يثور التساؤل: هل يكفي الترخيص الإجباري وحده لتحقيق العدالة؟
الإجابة، في تقديري، هي: لا.
فالترخيص الإجباري يظل علاجًا استثنائيًا، بينما تكشف الأزمات الصحية العالمية عن الحاجة إلى إعادة النظر في فلسفة العلاقة بين الملكية الفكرية والدواء.
فالحماية القانونية لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة اقتصادية مطلقة، كما أن حماية الصحة العامة لا يجوز أن تتحول إلى ذريعة لمصادرة حقوق المبتكرين.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الانتصار لأحد الحقين على حساب الآخر، وإنما في بناء منظومة تحقق التوازن بينهما.
ومن الممكن تحقيق هذا التوازن عبر توسيع استخدام التراخيص الإجبارية في حالات الأوبئة، وتشجيع نقل التكنولوجيا إلى الدول النامية، ودعم صناديق دولية لتعويض الشركات المبتكرة عند إتاحة أدويتها للدول منخفضة الدخل، فضلًا عن تعزيز نماذج البحث العلمي التعاوني التي تتقاسم فيها المؤسسات العامة والخاصة مخاطر الابتكار وعوائده.
فالابتكار يحتاج إلى الحماية، لكن الحياة تحتاج إلى الأولوية.
ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يجب إلغاء براءات اختراع الأدوية؟
بل: كيف نحافظ على الحافز إلى الابتكار دون أن يتحول هذا الحافز إلى عائق يحول بين المريض وحقه في العلاج؟
إن القانون، في جوهره، ليس أداة لحماية الأموال، ولا وسيلة لتكريس الاحتكار، وإنما هو نظام لتحقيق العدالة.
وإذا كان الأصل أن تُحترم حقوق الملكية الفكرية، فإن الاستثناء الذي تفرضه الضرورة الإنسانية ليس انتقاصًا من هذه الحقوق، بل تجسيدٌ لغايتها الأسمى.
فالملكية الفكرية وُجدت لخدمة الإنسان، ولم يُخلق الإنسان لخدمة الملكية الفكرية.
وعندما يقف القاضي، أو المشرع، أو المجتمع الدولي أمام مفترق طريق بين حماية براءة اختراع وحماية حياة إنسان، فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا ليس: كم تبلغ قيمة الدواء في السوق؟ وإنما: كم تبلغ قيمة الحياة في ميزان العداله ؟
اترك تعليقًا
نرحب بأفكاركم وملاحظاتكم حول هذا المنشور. نرجو منكم الالتزام بالاحترام، وأن تكون تعليقاتكم ضمن الموضوع، وخالية من الرسائل المزعجة أو الروابط الترويجية. لن يتم نشر بريدكم الإلكتروني، وستتم مراجعة جميع التعليقات لضمان حوار بنّاء.
الحقول المطلوبة مُعلَّمة *.

English






